ابن قيم الجوزية

296

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

حصل له دون اللّه ، ولا يأسى على ما فاته سوى اللّه ، ولا يستغني برتبة شريفة ، وإن عظمت عنده أو عند الناس . فلا يستغني إلا باللّه . ولا يفتقر إلا إلى اللّه . ولا يفرح إلا بموافقته لمرضاة اللّه . ولا يحزن إلا على ما فاته من اللّه . ولا يخاف إلا من سقوطه من عين اللّه ، واحتجاب اللّه عنه . فكله باللّه ، وكله للّه . وكله مع اللّه . وسيره دائما إلى اللّه . قد رفع له علمه فشمر إليه . وتجرد له مطلوبه فعمل عليه . تناديه الحظوظ : إليّ ، وهو يقول إنما أريد من إذا حصل لي حصل لي كل شيء . وإذا فاتني فاتني كل شيء . فهو مع اللّه مجرد عن خلقه . ومع خلقه مجرد عن نفسه . ومع الأمر مجرد عن حظه . أعني الحظ المزاحم للأمر . وأما الحظ المعين على الأمر : فإنه لا يحطه تناوله عن مرتبته ولا يسقطه من عين ربه . وهذا أيضا موضع غلط فيه من غلط من الشيوخ . فظنوا أن إرادة الحظ نقص في الإرادة . والتحقيق فيه : أن الحظ نوعان . حظ يزاحم الأمر . وحظ يؤازر الأمر فينفذه . فالأول هو المذموم . والثاني ممدوح . وتناوله من تمام العبودية . فهذا لون وهذا لون . فرار خاصة الخاصة قال : « وفرار خاصة الخاصة : مما دون الحق إلى الحق ، ثم من شهود الفرار إلى الحق ، ثم الفرار من شهود الفرار » . هذا على قاعدته في جعل الفناء عن الشهود غاية السالكين . فيفرّ أولا من الخلق إلى الحق . ويشهد بهذا الفرار انفراد مشهوده الذي فرّ إليه . لكن بقيت عليه بقية ، وهي شهود فراره . فيعدله إحساسا بالخلق . فيفرّ ثانيا من شهود فراره . فتنقطع النّسب كلها بينه وبين الخلق بهذا الفرار الثاني . فلا يبقى فيه بقية إلا ملاحظة فراره من شهود فراره ، فيفر من شهود الفرار . فتنقطع حينئذ النسب كلها . وقد تقدم الكلام على هذا . وأنه ليس أعلى المقامات والرتب ، ولا هو غاية الكمال . وأن فوقه ما هو أعلى منه مقاما ، وأشرف منزلا . وهو أن يشهد فراره ، وأنه باللّه من اللّه إلى اللّه . فيشهد أنه فرّ به منه إليه . ويعطي كل مشهد حقه من العبودية . وهذا حال الكمل . واللّه المستعان . منزلة الرياضة ومن منازل « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » : « منزلة الرياضة » . هي تمرين النفس على الصدق والإخلاص . قال صاحب المنازل : « هي تمرين النفس على قبول الصدق » . وهذا يراد به أمران : تمرينها على قبول الصدق إذا عرضه عليها في أقواله وأفعاله وإرادته . فإذا عرض عليها الصدق قبلته وانقادت له وأذعنت له . والثاني : قبول الحق ممن عرضه عليه . قال اللّه تعالى : وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ( 33 ) [ الزّمر : 33 ] فلا يكفي صدقك . بل لا بد من صدقك وتصديقك للصادقين . فكثير من الناس يصدق ، ولكن يمنعه من التصديق كبر أو حسد ، أو غير ذلك .